أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
232
شرح مقامات الحريري
وصل إلى عمرو ، فجهّزه بطرف من الجواهر والخزّ والديباج والأسلحة ، فرجع بها ، فلما تحققت نصحه ، أرسلته إلى العراق ثالث سفرة ليضرب لها بها عدّة من السلاح ، ويشتري لها خيلا وعبيدا لتجهز جيشا إلى من حواليها من الملوك فمشى فيما أمرته به ، وتوصل إلى عمرو ، وقال : قد أصبت الفرصة من الزّبّاء ، فقال عمرو : قل اسمع ، ومر افعل ، فأنت طبيب هذه القرحة ، فقال : الرجال والمال ، فقال : حكمك فيما عندي مسلّط ، فعمد إلى ألفي رجل من أهل القتال ، وجعلهم في غرائر سود ، وجعل سلاحهم السيوف والحجف « 1 » ، وجعل رؤوس الغرائر مربوطة من داخلها ، وجعل عمرا في الحملة ، وساق الخيل والعبيد ، فلما قاربها بعث إليها البشير بسلامة قصير وكل ما جاء به ، فسألت عن العير أين نزل ؟ فقيل لها : بالغوير - وكانت تنظره من غير طريق الغوير - فقالت : عسى الغوير أبؤسا ، وتقدّم قصير ، فدخل عليها فبشّرها ، فرقيت سطحا عاليا لتنظر مجيء الإبل ، فنظرت قوائمها تسوخ في الأرض لما عليها من الأثقال ، فقالت : يا قصير : [ الرجز ] ما للجمال مشيها وئيدا * أجندلا يحملن أم حديدا ! « 2 » أم صرفانا باردا شديدا * أم الرجال جثّما قعودا وكانت قالت لجواريها : إني أرى الموت الأحمر في الغرائر السود ، فذهبت مثلا . فدخلت الجمال المدينة ، فجسّ بواب بمخصرة في يده غرارة على آخر بعير ، فأصابت المخصرة خاصرة رجل فضرط فصاح : الشرّ الشرّ ، فأظهروا علامة كانت بينهم ، فحلّوا رؤوس الجوالق ، فخرج منها ألفا دارع بألفي سيف ، فصاحوا : يا لثأر الملك المقتول غدرا ! وهربت الزباء تطلب النفق إلى تحت الفرات ، فسبق عمرو إلى بابه مع قصير ، وكانت صورة عمرو مصورة في جانبها ، فعند ما رأته عرفته ، وكانت جعلت تحت فصّ خاتمها سمّ ساعة فمصّت الفصّ ، وقالت : بيدي لا بيد عمرو . فسقطت ، وعمرو وقصير يضربانها بالسيف ، فماتت بين السم والسيف ، فاستباحوا بلدها بما فيه ، واستولى عمرو على مملكتها . واتخذ عمرو الحيرة دار ملكه ، وتوارثها بنوه واحدا واحدا إلى النعمان بن المنذر ، وهو الذي أدرك زمن المصطفى صلّى اللّه عليه وسلم وقتله كسرى ، وهو آخرهم ،
--> ( 1 ) الحجف ، بالتحريك : التروس من جلود بلا خشب ولا عقب . ( 2 ) الرجز للزباء في لسان العرب ( وأد ) ، ( صرف ) ، ( زهق ) ، وأدب الكاتب ص 200 ، والأغاني 15 / 256 ، وأوضح المسالك 2 / 86 ، وجمهرة اللغة ص 742 ، 1237 ، وخزانة الأدب 7 / 295 ، والدرر 2 / 281 ، وشرح الأشموني 1 / 169 ، وشرح التصريح 1 / 271 ، وشرح شواهد المغني 2 / 912 ، وتاج العروس ( وأد ) ، ( صرف ) ، وشرح عمدة الحافظ ص 179 ، ومغني اللبيب 2 / 581 ، وللزباء أو للخنساء في المقاصد النحوية 2 / 448 ، وبلا نسبة في همع الهوامع 1 / 159 ، ومقاييس اللغة 6 / 78 ، وكتاب العين 7 / 111 ، والمخصص 12 / 26 ، وأساس البلاغة ( وأد ) .